كيف تُعالَج أمراض شرايين الأطراف؟
مرض شرايين الأطراف (تضيّق شرايين الساقين وانسدادها، ويُسمّى طبياً أيضاً «مرض الشرايين الطرفية») صورة مهمة نواجهها كثيراً في عيادتنا، وهي في الحقيقة لا تعبّر عن الساق وحدها بل عن صحة الأوعية في الجسم كله. ونقص الدم الواصل إلى الساق قد يُحدث مشكلات في نطاق واسع، من الألم أثناء المشي إلى فقدان النسيج في الحالات المتقدمة. أمّا موضوعات مثل أسباب مرض شرايين الأطراف وأعراضه ومراحله، والوسائل التي نستخدمها للتشخيص، وطرق الوقاية من المرض، فسأتناولها في مقالات منفصلة، مستنداً إلى الأسس العلمية وبأسلوب مفهوم في الوقت نفسه. وفي هذا المقال أركّز مباشرةً على الجزء الأهمّ من الموضوع: خيارات العلاج.
أيّ علاج لأيّ مريض؟ مرحلة المرض هي ما يحدّد قرارنا
أهمّ ما ننظر إليه عند اتخاذ قرار العلاج في مرض شرايين الأطراف هو مرحلة المرض. ونفكّر عموماً من خلال مجموعتين كبيرتين: العَرَج المتقطّع (الكُلاَل): يشعر المريض بألم شبيه بالتشنّج في الساق (السمانة) أو الفخذ أو الورك عند مشيه مسافة معيّنة يعرفها مسبقاً، ويزول الألم عند التوقف والراحة، ويعود عند المشي مرة أخرى. لا يوجد خطر عاجل في هذه المجموعة، ونعمل فيها بأريحية. نقص التروية الحرج في الساق: يكون جريان الدم قد نقص إلى حدّ يشعر فيه المريض بألم في قدمه حتى وهو في الراحة، أو تظهر جروح لا تلتحم في القدم والأصابع، بل قد تحدث غنغرينا. في هذه المجموعة نتحرّك دون إضاعة الوقت، لأنّ هناك تهديداً بفقدان الطرف (البتر).
وعند إجراء هذا التمييز نستند إلى الأدلة الإرشادية الحديثة: دليل الجمعية الأوروبية لجراحة الأوعية (ESVS) 2024 لمرض شرايين الأطراف اللاعرضي والعَرَج المتقطّع، ودليل الجمعية الأوروبية لطب القلب (ESC) 2024 لأمراض الشرايين الطرفية والشريان الأورطي، والأدلة الوعائية العالمية (Global Vascular Guidelines) الخاصة بنقص التروية الحرج في الساق.
خيارات العلاج
أفضل علاج دوائي وبرنامج التمارين: هذه هي الخطوة الأولى عند كل مريض لديه عَرَج متقطّع تقريباً، وهي كافية بمفردها في أغلب الأحيان. ويُشكّل أساس العلاج: مضادّ الصفيحات (مسيّل الدم)، وخافض الكوليسترول بجرعة عالية (الستاتين)، وضبط ضغط الدم والسكري، والإقلاع التامّ عن التبغ. ونُضيف إلى ذلك بالتأكيد تمرين المشي المنتظم والمبرمَج؛ فكما تنمو مع الوقت أزقّة صغيرة حول طريق مسدود فتبدأ بحمل حركة المرور، تنمو بالتمرين المنتظم «طرق جانبية» طبيعية في الساق (الأوعية الرادفة) فيتحسّن جريان الدم. وبهذا النهج البسيط الذي يتطلب انتظاماً، تطول مسافة المشي بشكل واضح عند قسم كبير من مرضانا. العلاج القسطري (رفع التضيّق بالبالون ووضع الدعامة): عند المرضى الذين تُقيّد شكواهم حياتهم اليومية رغم العلاج الدوائي والتمارين، أو في نقص التروية الحرج في الساق، نصل إلى منطقة التضيّق أو الانسداد بمساعدة قسطار رقيق نُدخله من أعلى الفخذ. وهناك نوسّع الشريان من الداخل ببالون (رفع التضيّق بالبالون)، ونضع دعامة (شبكة معدنية) عند الحاجة لتبقيه مفتوحاً. لا يتطلب ذلك شقّاً، ونُجريه عادةً بالتخدير الموضعي، ونُخرج معظم مرضانا في اليوم نفسه أو في اليوم التالي. وقد نُفضّل أيضاً تقنيات أحدث، كالبالون المغطّى بالدواء أو الدعامة المغطّاة بالدواء، حسب طول الشريان المصاب ودرجة التكلّس وموقعه؛ ويتشكّل هذا الاختيار كلّه وفق خريطة أوعية المريض. الجراحة المفتوحة (المجازة): إذا كان الانسداد طويل القطعة أو شديد التكلّس والانتشار أو في موضع يصعب الوصول إليه بالقسطرة، نتّجه إلى جراحة المجازة، وهي الطريقة الكلاسيكية التي نطبّقها بأمان منذ سنوات طويلة. وفيها نصل ما قبل المنطقة المسدودة بما بعدها، مستخدمين وريد المريض نفسه (وريد نأخذه من الساق عادةً) أو طعماً صناعياً؛ تماماً كفتح طريق دائري بديل عن طريق أُغلق في وجه المرور. والمجازة تعطي في المريض المناسب نتائج متينة وثابتة جداً على المدى الطويل؛ ونحن نُقدّم هذه الاستدامة في المقام الأول عند مرضانا الشباب وذوي العمر المتوقّع الطويل بشكل خاص. الأنهج الهجينة: في بعض الحالات المعقّدة نجمع الطريقة القسطرية والجراحة المفتوحة في الجلسة نفسها (التداخل الهجين)؛ فمثلاً نفتح منطقة بالجراحة، ونعالج في الوقت نفسه قطعة أخرى بالبالون أو الدعامة. وهذا النهج يتيح لنا أن نُقدّم للمريض قدر ما يحتاجه من تداخل مجتمعاً، بدلاً من عملية واحدة أكبر وأكثر خطراً.
سباق مع الزمن في نقص التروية الحرج في الساق
هدفنا واضح عند المرضى المصابين بنقص التروية الحرج في الساق: إعادة جريان الدم في أقصر وقت وإنقاذ الطرف. وفي هذه المجموعة من المرضى يُتّخذ الاختيار بين العلاج القسطري والمجازة حسب حالة المريض العامة وتشريح أوعيته ومدى ملاءمة وريده الخاص للمجازة؛ ونطبّق الطريقتين معاً بالعناية نفسها والسرعة نفسها، لأنّ كل يوم يُفقَد هنا يزيد خطر فقدان النسيج.
المرحلة التالية للإجراء
بعد العلاج القسطري نُخرج الغالبية العظمى من مرضانا في اليوم نفسه أو في اليوم التالي؛ ولا يوجد تقييد جدّي عدا حساسية خفيفة في موضع الدخول تستمر أياماً قليلة. أمّا التعافي بعد جراحة المجازة فيستغرق وقتاً أطول قليلاً، وتُخطَّط مدة الإقامة في المستشفى والعناية بالجرح بشكل فردي. وفي الطريقتين نُدخل مرضانا في برنامج متابعة منتظم بالأمواج فوق الصوتية الدوبلرية وفحص النبض بعد العلاج، لأنّ النجاح على المدى الطويل مرتبط بمتابعة بقاء الشريان مفتوحاً.
الأسئلة الشائعة
هل يلزم بالضرورة تداخل (بالون أو مجازة) في العَرَج المتقطّع؟ لا. عند قسم كبير من مرضانا يمكن التحكم في الشكاوى بأفضل علاج دوائي وتمارين منتظمة. أمّا التداخل فنُقيّمه في الحالات التي تُقيّد الحياة اليومية بشكل جدّي، أو التي تتقدّم رغم العلاج الدوائي.
أيّهما أفضل: رفع التضيّق بالبالون أم المجازة؟ لا تفوّق مطلقاً لإحداهما على الأخرى؛ فطول التضيّق أو الانسداد وموقعه ودرجة التكلّس وحالة المريض العامة هي ما يحدّد هذا القرار. وفي التضيّقات القصيرة نُفضّل عادةً العلاج القسطري، وفي الانسدادات الطويلة والمعقّدة نُفضّل المجازة.
لديّ جرح لا يلتحم في قدمي، فهل هذه حالة عاجلة؟ نعم. هذه علامة مهمة على نقص التروية الحرج في الساق ويجب تقييمها دون إضاعة الوقت؛ فالتأخير يزيد خطر فقدان الطرف.
هل يُحدث الإقلاع عن التدخين فرقاً فعلاً؟ نعم بالتأكيد. فالتبغ هو أهمّ عامل قابل للتغيير يؤثر مباشرةً في سرعة تقدّم المرض وفي خطر انسداد الشريان مرة أخرى بعد التداخل.
بإيجاز
العلاج في مرض شرايين الأطراف ليس وصفة واحدة؛ بل يتطلب خطة طريق مخصّصة حسب مرحلة المرض وتشريح الشريان وحالة المريض الصحية العامة. وفي هذا النطاق من الخيارات، الممتدّ من أفضل علاج دوائي وتمارين إلى التداخل القسطري ثم إلى جراحة المجازة، يكون هدفنا واحداً دائماً: الحفاظ على الساق وعلى القدرة على الحركة.
إذا لاحظتم ألماً شبيهاً بالتشنّج في ساقكم أثناء المشي، أو برودة في قدمكم، أو جرحاً لا يلتحم، يمكنكم حجز موعد لفحص مفصّل وتقييم بالأمواج فوق الصوتية الدوبلرية.
المراجع
- Nordanstig J, Behrendt CA, Baumgartner I, et al. European Society for Vascular Surgery (ESVS) 2024 Clinical Practice Guidelines on the Management of Asymptomatic Lower Limb Peripheral Arterial Disease and Intermittent Claudication. Eur J Vasc Endovasc Surg. 2024;67(1):9-96.
- Aboyans V, Bauersachs R, Mazzolai L, et al. 2024 ESC Guidelines for the Management of Peripheral Arterial and Aortic Diseases. Eur Heart J. 2024;45(36):3538-3700.
- Conte MS, Bradbury AW, Kolh P, et al. Global Vascular Guidelines on the Management of Chronic Limb-Threatening Ischemia. Eur J Vasc Endovasc Surg. 2019;58(1S):S1-S109.
- Norgren L, Hiatt WR, Dormandy JA, et al. Inter-Society Consensus for the Management of Peripheral Arterial Disease (TASC II). J Vasc Surg. 2007;45(1 Suppl):S5-S67.